فصل: تفسير الآيات (67- 68):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (60- 63):

{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)}
وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً}، يعني: مرجعاً عند اللَّه يوم القيامة؛ ومنه: {وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} [البقرة: 125]، ومشى المفسِّرون في هذه الآية على أنَّ الذين أُمِرَ عليه السلام أنْ يقول لهم: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} هم اليهودُ والكُفَّار المتَّخِذُون دينَنَا هُزُواً ولعباً؛ قال ذلك الطبريُّ، وتُوبِعَ عليه، ولم يُسْنِدْ في ذلك إلى متقدِّم شيئاً، والآيةُ تحتملُ أنْ يكون القول للمؤمنين، أي: قُلْ يا محمَّد، للمؤمنين: هَلْ أنبئكم بِشَرٍّ مِنْ حال هؤُلاء الفاسِقِينَ في وَقْتِ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ؛ أولئك أسلافهم الَّذين لعنهم اللَّه، وغَضِبَ عليهم.
وقوله سبحانه: {وَجَعَلَ}، هِيَ بمعنى صَيَّرَ، وقد تقدَّم قصص مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في البقرة، و{عَبَدَ الطاغوت}: تقديره: ومَنْ عبَدَ الطاغوتَ، وقرأ حمزةُ وحده {وعَبُدَ الطَّاغُوتِ} بفتحِ العين، وضمِّ الباءِ، وكسرِ التاء مِنَ الطاغوت؛ وذلك أنَّ عَبُدَ لفظُ مبالغةٍ؛ كقَدُسَ.
قال الفَخْر: قيل: الطاغوتُ هنا: العِجْلُ، وقيل: الطاغوتُ أحبارهم، وكلُّ من أطاع أحداً في معصية اللَّهِ فقد عبده. انتهى.
و{مَكَاناً}: يحتمل أن يريد في الآخرةِ، فالمكان على وجْهه، أي: المحلّ إذْ محلُّهم جهنَّم، ويحتملُ أنْ يريد في الدنيا، فهي استعارةٌ للمكانةِ، والحالةِ.
وقوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ} يعني: اليهودَ، وخاصَّة المنافقين منهم؛ قاله ابن عباس وغيره.
وقوله: {والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ}: أي: من الكُفْر، والرؤيةُ هنا تَحْتملُ أنْ تكون قلبيةً، وأنْ تكون بَصَرِيَّةً، و{فِي الإثم}، أي: موجباتِ الإثمِ، واللامُ في: {لَبِئْسَ}: لام قَسَم.
وقوله تعالى: {لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار}: تحضيضٌ في ضمنه توبيخٌ لهم، قال الفَخْر: والمعنى: هَلاَّ ينهاهم. انتهى.
قال الطبريُّ: كان العلماءُ يقُولُون: ما في القرآن آيةٌ هي أشَدُّ توبيخاً للعلماءِ من هذه الآية، ولا أخْوَفُ عليهم منْها.
وقال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: ما في القُرآنِ آيةٌ أخْوَفُ عندي منها؛ إنَّا لا ننهى؛ وقال نحو هذا ابنُ عَبَّاس.
وقوله سبحانه: {عَن قَوْلِهِمُ الإثم}: ظاهره أنَّ الإثم هنا يرادُ به الكُفْر، ويحتمل أن يراد سَائِرُ أقوالهم المُنْكَرَة في النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ ابن عباس: {بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}؛ بغير لام قَسَم.

.تفسير الآية رقم (64):

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)}
وقوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله...} إلى قوله: {لاَ يُحِبُّ المفسدين}: هذه الآيةُ تعديدُ كبيرةٍ في أقوالهم وكُفْرهم، أي: فَمَنْ يقول هذه العظيمةَ، فلا يُسْتنكَرُ نفاقُهُ وسعْيُهُ في رَدِّ أمر اللَّه تعالى.
قال ابن عباس وجماعة: معنى قولهم: التبخيلُ؛ وذلك أنهم لحقَتْهم سَنَةٌ وجَهْدٌ، فقالوا هذه المقالة، يعْنُونَ بها؛ أنَّ اللَّه بَخِلَ عليهم بالرِّزْقِ والتوسعَةِ، تعالَى اللَّه عن قَوْلِهِمْ، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] فإن المراد: لا تَبْخَلْ؛ ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ...» الحديثَ، وذكر الطبري والنَّقَّاش؛ أن هذه الآية نزلَتْ في فِنْحَاص اليَهُودِيِّ، وأنه قالها.
وقوله سبحانه: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}: خبرٌ يحتملُ في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان خبراً عن الدنيا، فالمعنى: غُلَّت أيديهم عن الخَيْرِ والإنفاقِ في وجوه البِرِّ ونحوه، وإذا كان خبراً عن الآخرة، فالمعنى: غُلَّتْ في النار، قلْتُ: ويَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ معاً.
وقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}: العقيدةُ في هذا المعنى: نَفْيُ التشبيه عن اللَّه سبحانه، وأنه ليس بِجِسْمٍ، ولا له جارِحَةٌ، ولا يُشَبَّهُ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتحيَّز، ولا تَحُلُّهُ الحوادثُ، تعالى عما يقول المبطلون عُلُوًّا كبيراً، قال ابن عبَّاس في هذه الآية: {يَدَاهُ}: نعمتاه، ثم اختلفت عبارة النَّاس في تَعْيِين النعمتَيْن:
فقيل: نعمةُ الدنيا، ونعمةُ الآخرةِ، وقيل: النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنةُ، والظاهر أن قوله سبحانه: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} عبارةٌ عن إنعامه على الجملة، وعبَّر عنها باليدَيْن؛ جرياً على طريقة العرب في قولهم: فُلاَنٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ؛ ومنه قول الأعشى: [الطويل]
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَة ** وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالمَالِ تُنْفِقُ

ويؤيِّد أن اليدَيْن هنا بمعنى الإنعامِ قرينةُ الإنفاق، ثم قال تعالى لنبيِّه عليه السلام: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم}، يعني: اليهودَ {مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً}، ثم قال سبحانه: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة}، العداوة: أخصُّ من البغضاء؛ لأن كلَّ عدوٍّ، فهو يُبْغضُ، وقد يُبْغضُ مَنْ ليس بعدُوٍّ، والبغضاء: قد لا تتجاوَزُ النفوسَ، وقد ألقى اللَّه سبحانه الأمرَيْن على بني إسرائيل.
قال الفَخْر: وقد أوقع اللَّه بَيْنَ فِرَقِهِمْ الخصومةَ الشَّديدة، وانتهى أمرهم إلى أنْ يُكَفِّرَ بعضهم بعضاً، وفي قوله: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة...}: قولان:
أحدهما: أن المراد ما بَيْن اليهودِ والنصارى من العداوةِ؛ لأنه جرى ذكْرُهُمْ في قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء} [المائدة: 51]، وهذا قول الحسنِ ومُجَاهد.
والثاني: ما وقع من العداوة بين فِرَقِ اليهود، فإنَّ بعضهم جبريَّةٌ وبعضهم قَدَرية، وبعضهم مُوَحِّدة، وبعضهم مُشَبِّهة، وكذلك بَيْن فرقِ النصارى؛ كالمَلْكَانِيَّة، والنُّسْطُورِيَّة، واليَعْقُوبيَّة. انتهى.
وقوله سبحانه: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله}: استعارة بليغةٌ، قال مجاهد: معنى الآيةِ: كلَّما أوقدوا ناراً لحَرْبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أطفأها اللَّه، فالآيةُ بشارةٌ لنبيِّنا محمد عليه السلام وللمؤمنين، وباقي الآية بيِّن.

.تفسير الآيات (65- 66):

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}
وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب ءَامَنُواْ...} الآية: هذه الآية تحتملُ أنْ يراد بها معاصروا النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتحتملُ أنْ يراد بها الأسلافُ، والمعاصِرُونَ.
وقوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة}، أي: أظهروا أحْكَامها، فهي كإقامةِ السُّوق، وإقامةِ الصَّلاةِ.
وقوله سبحانه: {والإنجيل}: يقتضي دخُولَ النصارى في لفظُ أهْلِ الكتابِ؛ في هذه الآية، قلْتُ: وقال مكِّيٌّ: معنى: {أَقَامُواْ التوراة والإنجيل}: أيْ: عملوا بما فيهما، وأقروا بصفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبنبوَّته. انتهى من الهداية.
وقوله: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبِّهِمْ}: معناه: مِنْ وحْيٍ وسُنَنٍ على ألْسِنَةِ الأنبياء عليهم السلام، واختُلِفَ في معنى: {مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}، فقال ابن عباس وغيره: المعنى: لأعطتهم السماءُ مطَرها، والأرض نباتَهَا بفَضْلِ اللَّه تعالى، وقال الطبريُّ وغيره: إن الكلام استعارة ومبالغةٌ في التوسِعَةِ؛ كما يقالِ: فُلاَنٌ قد عمَّهُ الخَيْرُ مِنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ.
وقوله سبحانه: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ}: معناه: معتدِلَةٌ، والقَصْد والاقتصاد: الاعتدال والرفْقُ والتوسُّط الحَسَن في الأقوال والأفعال، قال ابنُ زَيْد: وهؤلاءِ هُمْ أهْل طاعَةِ اللَّه من أهْل الكتاب.
قال * ع *: وهذا هو الراجِحُ.

.تفسير الآيات (67- 68):

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)}
وقوله سبحانه: {ياأيها الرسول بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...} الآية: هذه الآية أمْرٌ مِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه عليه السلام بالتبليغِ على الاستيفاء والكمالِ؛ لأنه قد كان بَلَّغ صلى الله عليه وسلم، وإنما أُمِرَ في هذه الآيةِ بِأَلاَّ يتوقَّفَ عن شَيْء مخافةَ أحَدٍ؛ وذلك أنَّ رسالته عليه السلام تضمَّنت الطَّعْنَ على أنواع الكَفَرة، وبيانَ فسادِ حالِهِم، فكان يلقى منهم صلى الله عليه وسلم عَنَتاً، وربَّما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له: {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، أيْ: كاملاً، {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس}، قالتْ عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي اللَّه عنها: مَنْ زَعَمَ أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً مِنَ الوَحْيِ، فقد أَعْظَم الفريةَ، واللَّه تعالى يقولُ: {ياأيها الرسول بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ...} الآية، وقال عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كان رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يتعقبه أصحابُهُ يحْرُسُونه، فلما نزلَتْ: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس}، خرَجَ، فقَالَ: «يَا أَيُّها النَّاسُ، الحقوا بِمَلاَحِقِكُمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي»، قلْتُ: وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديثَ أيضاً من طريق عائشة، وكما وجَبَ عليه التبليغُ عليه السلام، وجب على علماءِ أمته، وقد قال عليه السلام: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة»، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً، فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إلى مَنْ لَيْسَ بِفَقِيةٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»، رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذيُّ والنسائي وابنُ ماجة، وابن حِبَّانَ في صحيحِهِ، وقال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، ورواه مِنْ حديث ابن مسعود، وقال: حسنٌ صحيحٌ. انتهى من السلاح.
وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نزِلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي اخترط سيْفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ليقتُلَهُ به.
قال ابنُ العربيِّ: قوله تعالى: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس}: معناه: يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك؛ كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ.
أصحها: أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أنْ شُجَّ وجهه، وكُسِرَتْ ربَاعِيَتُهُ صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحُّ، وقد كان صلى الله عليه وسلم أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى: {إِنَّا كفيناك المستهزءين} [الحجر: 95] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم. انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن.
ثم أمر تعالى نبيَّه عليه السلام؛ أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه: {لَسْتُمْ على شَيْء}، أيْ: على شيءٍ مستقيمٍ؛ {حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل}، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد عليه السلام، قلْتُ: وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ؛ كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل.
وقوله سبحانه: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبِّكُمْ} يعني به القرآن.

.تفسير الآيات (69- 70):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)}
وقوله تعالى: {إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الأخر وعَمِلَ صالحا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: الذين آمنوا: لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على اختلافها، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في سورة البقرة، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ: {وَالصَّابِئُونَ}، وقرئ خارجَ السبعة: {والصَّابِئِينَ}، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فاختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة: أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارى كذلك.
قال * ص *: ووجه ثانٍ أنَّ خبر {إنَّ} محذوفٌ، أي: إنَّ الذين آمنوا لهم أجْرُهُمْ، وخبر {الصَّابئين}: {مَنْ ءَامَنَ} وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ؛ وهو حَسَنٌ جدًّا؛ إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ {إنَّ}؛ للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ. انتهى.
قلتُ: قال ابْنُ مالكٍ: وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل: إن الصابِئين في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ على كل حال، والجَمْعَ بالواو على كُلِّ حال؛ قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.

.تفسير الآيات (71- 75):

{وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)}
وقوله سبحانه: {وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}: المعنى في هذه الآيةِ: وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل ألاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقَّ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ»
وقوله سبحانه: {ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ}، قالتْ جماعة من المفسِّرين: هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك؛ حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبداً، ومعنى: {تَابَ الله عَلَيْهِمْ}؛ أي: رجَعَ بهم إلى الطاعةِ والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن: استناد هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالى، واستناد العمى وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال؛ إليهم، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين: {إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ} وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيحِ لهم، فقال: {وَقَالَ المسيح يابني إسراءيل اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ...} الآية: فضَلُّوا هم، وكفروا؛ بسَبَب ما رأَوْا على يديه من الآيات.
وقوله تعالى: {وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ}، يحتملُ أنْ يكون مِنْ قولِ عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويحتمل أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه لنبيِّه محمد عليه السلام.
وقوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد...} الآية: إخبارٌ مؤكِّد؛ كالذي قبله، عن هذه الطائفة النَّاطقة بالتثليث، وهم فِرَقٌ، منهم النُّسْطُورِيَّة وغيرهم، ولا معنى لذكْر أقوالهم في كُتُب التَّفْسِير.
وقوله سبحانه: {ثالث ثلاثة}: لا يَجوزُ فيه إلاَّ الإضافةُ، وخفض ثلاثة؛ لأن المعنى أحدُ ثلاثةٍ، فإنْ قلت: زَيْدٌ ثَالِثُ اثنين، أَوْ رَابِعُ ثَلاَثَةٍ، جاز لك أنْ تضيفَ؛ كما تقدَّم، وجاز ألاَّ تضيفَ، وتَنْصِب ثَلاَثة؛ على معنى: زَيْدٌ يربِّع ثلاثةً.
وقوله سبحانه: {وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد...} الآية: خَبَرٌ صادِعٌ بالحَقِّ، وهو سبحانه الخالِقُ المُبْدِعُ المتَّصِفُ بالصفات العُلاَ، سبحانه وتعالى عَمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيراً، ثم توعَّدهم، إنْ لم ينتهوا عما يقولُونَ، ثم رَفَق جلَّ وعلا بهم؛ بتحضيضه إيَّاهم على التوبة، وطَلَبِ المَغْفرة، ثم وصَفَ نفسه سبحانه بالغُفْرَانِ والرَّحْمة؛ استجلابا للتائِبِينَ وتَأْنيساً لهم؛ ليكونوا على ثِقَةٍ من الانتفاعِ بتوبتهم.
قال * ص *: {لَيَمَسَّنَّ}: اللامُ فيه جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ قبل أداة الشرطِ. انتهى.
وقوله تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}: بناءُ مبالغةٍ مِنَ الصِّدْقِ، ويحتملُ من التَّصْديق؛ وبه سُمِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي اللَّه عنه؛ وهذه الصفةُ لمريم تدفع قولَ مَنْ قال: إنها نَبِيَّةٌ.
وقوله سبحانه: {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام}: تنبيهٌ على نقص البشريَّة، وعلى حالٍ مِنَ الاحتياجِ إلى الغذاءِ تنتفِي معها الألوهيَّةُ، و{يُؤْفَكُونَ}: معناه: يُصْرَفُونَ؛ ومنه قوله عز وجل: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9]، والأرْضُ المأْفُوكَةُ الَّتِي صُرِفَتْ عن أن ينالها المَطَرُ، والمَطَرُ في الحقيقةِ هو المَصْرُوفُ، ولكنْ قيل: أرضٌ مأفوكةٌ؛ لما كانَتْ مأفوكاً عنها.